ابن كثير
165
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رغب في الصدقة وحض عليها فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر فلمزوهما وقالوا : ما هذا إلا رياء ، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف ، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة فتضاحكوا به وقالوا : إن اللّه لغني عن صاع أبي عقيل « 1 » . وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا طالوت بن عباد ، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا » قال فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول اللّه : عندي أربعة آلاف ، ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بارك اللّه لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت » ، وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول اللّه : أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي ، قال فلمزه المنافقون وقالوا : ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء ، وقالوا : ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ فأنزل اللّه الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ الآية ، ثم رواه عن أبي كامل عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه مرسلا ، قال ولم يسنده أحد إلا طالوت . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير « 2 » : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة ، حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه ، قال : بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتيته فأخبرته ، فقال : « انثره في الصدقة » قال فسخر القوم وقالوا لقد كان اللّه غنيا من صدقة هذا المسكين ، فأنزل اللّه الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ الآيتين ، وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به ، وقال : اسم أبي عقيل حباب ويقال عبد الرحمن بن عبد اللّه بن ثعلبة . وقوله : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين ، لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارا للمؤمنين في الدنيا ، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا أليما لأن الجزاء من جنس العمل . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) يخبر تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 431 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 432 .